الجمعة، 8 مارس، 2013

الأمور السيئة تحدث...





عندما تتهم فرويد بالإلحاد من أجل نظرياته عن الصراع الاوديبي و الجنس و العدوان فأنت في الواقع تفتح طريقا ممهداً للملحدين أنفسهم كي يكرروا تساؤلاتهم الأبدية اللعينة عما يفعله الله بالبشر في الحروب ، في المجاعات و في المصائب بوجه عام... 

كونك لا تدرك حكمة الله في كل مصيبة تصيب البشر لا يعني أنها غير موجودة ، فتحقق العدل الإلهي في الأرض لا يستلزم أن تكون كل الأمور واضحة أمامك علي الدوام ، لا يستلزم أن ينتصر الخير من أول جولة ، و كل الأمور التي تتعلق بالحكمة الإلهية هي حتماً أعلي من عتبة إدراكك علي كل حال... 

لكنك ذات يوم ستفهم ، و ستكتشف كيف أن كل الدماء التي أهدرت ، كل الحقوق التي سٌلبت ، كل القلوب التي سكنها الغضب ، لم تكن في الواقع سوي نواة لشروق فجر يومٍ جديد... 

ذات الأمر ينطبق علي الصراعات الدائمة بداخل كل منا ، فحقيقة الأمر أننا حروب منفردة تمشي علي قدمين ، كل منا بداخله صراعات لا حصر لها يسعي لحلها ، منذ ولادته و حتي مماته ، و إن حكمة الله في تلك الصراعات تتضح في أن نهايتها تحفظ للمرء مكانه في المجتمع كشخص عاقل متزن قادر علي التحكم في سلوكه و انفعالاته ، بالظبع يتوقف نوع الحل النهائي لتلك الصراعات علي طريقة التربية التي يتلقاها المرء من صغره ، و لكن ذلك لا يعني إطلاقاً أن تلك الصراعات غير موجودة... 

عندما تحدث فرويد عن الجنس و العدوان كطاقة محركة للسلوك البشري لم يكن يقصد الأمر حرفياً ، في الواقع قام فرويد بتجريد السلوك البشري و اجتثه من جذوره ليرينا كيف تبدو تلك الجذور أسفل تربتنا الاجتماعية ، يكفيك نظرة واحدة علي سبيل المثال لأي شجار بين طفلين لدي خروجهما من المدرسة ، لسوف تسترجع ذكريات طفولتك السوداء حتماً ، و ستذكر كيف كنت تحمل بداخلك من الغل نحو هذا العالم ما يكفي ، لقد كان هدفك الأوحد أن تكبر كي تُري هؤلاء الأوغاد من أنت حقاً ، لكنك ببساطة لم تفعل ، لسبب ما صرت واحداً منهم... 

ما يحدث ببساطة هو أن الأطفال يحملون بداخلهم المادة الخام للعدوان ، و من رحمة الله بنا أننا لا نولد بالقوة الكافية للقتل و إلا أفنينا بعضنا قبل أن نتعدي الخمس سنوات ، صدقاً ، الأطفال لا يفكرون عند الغضب إطلاقاً ، إنهم يوجهون غضبهم كما هو دون تفكير مسبق او بعض التخطيط... 

نحن نولد صخوراً عديمة الملامح ليشكلها إزميل الحياة و تكتسب في النهاية ملامح واضحة مقبولة ، و علي مدار مراحل نمونا النفسي نصادف صراعات داخلية تغير من طريقة تعاملنا مع هذا العالم ، و حينها يتغير المسار الذي نوجه إليه عدواننا نحو مسارات اخري اكثر سواء ، أي ان طاقة العدوان تم تحويلها بشكل ما لطاقات اخري بناءة و اكثر ايجابية... 

و الخلاصة أن الأمور السيئة تحدث ، و لكن لسبب وجيه للغاية ، لابد لكل ميلاد من ألم ، لابد لكل مجرة من انفجار عظيم...


Share |