الثلاثاء، ٢٤ ديسمبر ٢٠١٣

لو كنت تفهم ما أعنيه...

اللجوء لحكمة ذوي العثرات الكبرى ليس بالفكرة الجيدة على الدوام ، لو أردت رأيي فهو ليس بالفكرة الجيدة على الإطلاق ، و حقيقة أن الآلام تزيدك قوة بمرور الوقت لا ينفي أنها بالمثل تزيد نظرتك للعالم انحرافاً عن موضوعيتها ، و آخر ما قد تحتاج إليه هو رأي غير موضوعي خاصة فيما يتعلق بالتعامل مع العالم..
و بفرض أننا متفقين على أنه من الأفضل لك خوض تجاربك الخاصة ، دعنا نتفق أيضاً أنه من الأفضل لك أن تكون انتقائياً فيما يخص اختيارك لأصحاب حكمة العثرات الكبرى ، لأن درجة الإيمان في قلب كل منهم هي ما تفصل بينهم ، هي ما تجعلهم يتفاوتون بين أصحاب حكمة حقيقية ذوي نظرة موضوعية نحو العالم و أصحاب حكمة زائفة هي في أصلها عدوانية محوكمة إن جاز التعبير ، لابد أنك تعرفهم ، او تعثرت بأحدهم في أحد المواصلات ، سيوهمك أسلوبهم بأنه لا أحد قد رأى قبح العالم عن هذا القرب مثلهم ، سيشعرونك بانتشاء ممتزج بالغثيان ، ذات النشوة التي تدفعك دفعاً لمراقبة شجار عنيف بشارعك ، هناك جزء غير هين بداخلك يتمنى لو يتطور الشجار أكثر ، لو تتناثر الدماء..
سيخبرونك بصوت خفيض أنه لا توجد عدالة بهذا العالم ، و أن عليك إيجاد طرقك الخاصة في التعامل مع ذلك الوضع و التأقلم عليه ، بينما حقيقة الأمر أن نقص إيمانهم أفقدهم الإتصال أصلاً مع مبادئ كالعدالة و الإخلاص و الحب و التعاون و الإيثار ، أفقدهم إمكانية إدراك أن تلك المبادئ ما هي إلا أنماط وجودية أعقد من أن يستدل على وجودها من عدمها من خلال تجاربهم المتعثرة ، نحن لا نحيا بداخل تجربة فيزيائية لو كنت تفهم ما أعنيه..

الخميس، ٢٨ نوفمبر ٢٠١٣

6 أسباب وجيهة كي لا تدرس علم النفس...



1- لا تدرس علم النفس بغرض التخلص من مأساتك : علم النفس سيمنحك إجابات ، سيمنحك وصفاً ، لكنه لن يمنحك حلولاً مباشرة على الإطلاق ، و لن يمنحك السعادة التي تنشدها ، هو فقط سيمنحك الراحة ، راحة المعرفة ، راحة التصالح مع المأساة فقط لكونك صرت تفهم الأسباب الكامنة خلفها ، الآلية التي تسير وفقاً لها ، و شعور وهمي بقدرتك على التحكم في تفاصيل المأساة ، علم النفس سيمنحك نشوة إدراك التفاصيل الدقيقة مهما كانت درجة قبحها ، هل سبق ان انتشيت لرؤية أحشائك الداخلية ؟ هل سبق ان انتشيت لرؤية أحشاء أحدهم أصلاً ؟
حسناً ، علم النفس سيجعلك تفعل...

2- لا تجري الأمور بتلك البساطة : من أبسط مبادئ علم النفس مبدأ الحتمية النفسية ، و هو يعني باختصار أنه لا شئ يحدث بلا سبب ، حتى الهفوات و زلات اللسان ، و في الواقع فإن ذلك المبدأ البسيط يعد تفسيراً مقبولاً لما عليه النفس البشرية من تعقيد بالغ يجعل من عملية العلاج النفسي مهمة ثقيلة قد تطول لسنوات ، فبرغم أن الحتمية النفسية تخبرك أننا لسنا اكثر من بضع معادلات حسابية معقدة إلا ان مشكلة التعقيد لا تكمن في كل معادلة بمفردها ، بل في أن كل معادلة لابد و أن تتقاطع و تتشابك مع غيرها ، فلا تتصور أن توافر أعراض درستها عن مرض ما في الحالة التي تعالجها يعني ببساطة أنك توصلت لمكمن الأزمة ، الحالة الواحدة من الممكن أن تحوى بداخلها من العقد و الأمراض و الإضطرابات النفسية ما قد يستغرق منك سنيناً للتعامل معه ، و المشكلة هي أن كل عقدة قد تكون نتاج لعقدة أخرى تسبقها ، ترسبات متدرجة تحتاج منك تتبع مرهق لتاريخ الحالة و تاريخ العائلة...

3- علم النفس ليس للعلاج فحسب : ربما لست مضطراً لإخبارك بذلك ، لأنك تدريجياً ستبدأ بالتخلي عن ذلك التصور النمطي الشائع بشأن الطبيب النفسي ذو القلم و المفكرة و المريض المستلقي على الشيزلونج ، و ستدرك أن ذلك المجال أوسع مما تتخيل لدرجة أنه لم يترك مجالاً آخر تقريباً إلا و له فرع بداخله ،هل كنت تدرك ان هناك ما يسمى بعلم النفس البيئي ؟ هل يوحي لك الإسم بفكرة محددة ؟ ماذا عن علم النفس الجنائي ؟ علم النفس الاجتماعي ، علم النفس المهني ، علم النفس الإرشادي ؟
علم النفس يدرس الإنسان بكل ما يتعلق به و كل ما يتعامل معه تقريباً ، و لكن كي اكون صادقاً معك فليست كل التخصصات بتلك الشعبية بين الدراسين ، إما أن نمطية التفكير تظل عالقة برأس بعضهم بعد التخرج بما يكفي للتخصص بمجال العلاج النفسي دون غيره ، و إما أن-كما لابد أنك تعلم-المرض النفسي يحمل من العمق ما يكفي لجذب الدارسين إليه ، و إما أن بعضهم بالفعل يدرك ما يفعله بما يكفي ليختار التخصص في مجال العلاج النفسي...

4- دراسة علم النفس تزيد من احتمالات إصابتك بالسكر و الضغط : و ربما الشلل الكلي كذلك ، فلسبب غامض يصر بعضهم على اختزال علمي الباراسيكولوجي و التنمية البشرية و برنامج "أنا و النجوم و هواك" في علم النفس ، كما تعلم..يبدأ الأمر بعبارة تخبرك أن علماء النفس يقرون بحقيقة مفادها انك عندما تفكر بأحدهم فلابد أنه قد فتح بروفايلك للتو ، من ثم يخبرونك بحقيقة أخرى هى أن نسبة انتحار علماء النفس قد زادت مؤخراً لأنهم في الأصل قد جنّوا !!

5- الإنترنت لا يعرف كل شئ : ربما كان ذلك صعب التصديق لكن الحقيقة هي أن المحتوى السيكولوجي المتوفر بالعربية على الإنترنت محدود للغاية مقارنة باللغات الأخرى ، و حتى نتائج البحث التي قد تحوي موضوعات مكتوبة بصورة احترافية تجدها مكررة و منسوخة بشكل مستفز يثير الغيظ .

6- فرويد لم يمت ، فرويد احترق ذاتياً : و هذا استنتاجي الخاص بالطبع مالم يكن فرويد محاطاً بالكثير ممن طالبوه بتحليل شخصياتهم على سبيل تزجية الوقت و "بدل ماهو قاعد فاضي كده" ، لا تخبرني انك لن تتبنى مدرسة التحليل النفسي لتتجنب ذلك ، هل تظنهم يكترثون ؟! ستحللهم و إلا امتصوا النخاع من عظامك ، ستحللهم حتى و إن أقسمت لهم أنك تعمل راقصة بالأساس ولا علاقة لك بعلم النفس ، لا يهم كيف ، تصرف !!

الاثنين، ٢٨ أكتوبر ٢٠١٣

silence is a rhythm too


-can u hear this ?
-what ? the music ?
-no, the silence.
-so !!
-it's not supposed to be quiet here, especially in that spot of my mind.
-and we should worry because ?!
-maybe i'm so scared, or so dead.
-umm, i don't think so, fear is not a good reason for quietness.
-it is, according to the fact of that i didn't deal before with a lot of scary things, i think that there's something very bad happening to me now.
-define "very bad".
-very bad so that being dead is a nice idea now.

السبت، ١٩ أكتوبر ٢٠١٣

متلازمة التداعي الكبير...



هل تعرف تلك المرحلة التي تدرك عندها كيف أنه لا شئ يدوم على حاله ؟ حين تتداعى بالتدريج كل تلك الأمور التي ألفتها ، كل تلك العلاقات التي حسبتها ممتدة معك حتى مماتك ، أنت تعرف أنه لا شئ يدوم على حاله ، لكن شتان بين المعرفة و الإدراك...

لا أعرف ماذا يسمون ذلك لكني أسميه "التداعي الكبير" ، و ما بعده "تأقلم ما بعد التداعي الكبير" ، و التأقلم هو تلك المرحلة التي ستندهش فيها من قدرتك على الجلوس مع كائن فضائي دون أدنى شعور بالغرابة ، ستندهش من قدرتك على الابتسام ، التسامح ، التغاضي ، الاحتضان ، ستندهش من قدرتك على الإحساس ، و استيعاب أمور كثيرة للغاية لم تكن قادراً على إدراكها ، ستندهش من كونك لم تعد أنت...

لطالما كنت أقول أننا كائنات سريعة التأقلم للغاية ، لكننا في المقابل نكره الوصول لما قد يجبرنا على التأقلم أساساً ، نتشدق طيلة الوقت بالحديث عن سنة الحياة و لكن عند أول لمحة تغير نبدأ في التذمر ، حتى و إن كان ذلك التغير نحو الأفضل فإننا نمقت الخروج عن النمط الذي اعتدناه فحسب ، و حينها نسعى جاهدين لمحاولة التشبث بأي شئ مما كنا عليه دون جدوى ، لا لشئ إلا لأننا كائنات نمطية للغاية ليس فقط في طريقة تفكيرنا و لكن حتى في الطريقة التي نشعر بها...

و حقيقة الأمر أنه لو كان هناك شئ صحيح لفعله بعد التداعي فهو أن نترك أنفسنا ليجرفها التيار قليلاً نحو مناطق أكثر سلاما ، فقط ولو مرة واحدة في حياتنا ، التشبث بما كنا عليه ليس نوع من التمسك بالهوية بقدر ما هو نوع من التمسك بما قد يكون سبباً للمأساة ذاتها ، بينما قد تكون المشكلة كلها هي أننا مازلنا نحن...

السبت، ١٢ أكتوبر ٢٠١٣

ضبابية...

-بم تشعر الآن ؟

-لا أعلم تحديداً ،أشعر و كأني..وصلت إلي ذلك الحد الذي لا يمكن معه أن أعود أدراجي

-هل يراودك ذلك الإحساس الجارف ؟ هل تشعر بالوقوع في الخطأ ؟

-بل بالارتقاء إليه .

الأحد، ١٥ سبتمبر ٢٠١٣

عن التصنيف...



أحد أكثر الأسباب شيوعا لكونك تشعر أنك لا تشبه الآخرين هو أنك لا تشبههم بالفعل ، علي حد علمي نحن لسنا نسخاً مكررة ، لكننا علي الجانب الآخر نميل لاستكمال الصور الناقصة ، ملء الثغرات ، نميل لتصنيف الآخرين على الدوام حتى و إن كان ما نعرفه عنهم هو اللاشئ ذاته ، لابد من تفسير و إلا سنجن...
إذن أنت تشعر بالاختلاف لأنك تصنفهم و ليس العكس ، لكن المشكلة لا تكمن في التصنيف بقدر ما تكمن في أن ما تعتمد عليه من معلومات في تصنيفك لا يقل أهمية عن معلومة أن هذا الشخص كائن حي يأكل و يشرب و يستحم ، أنت تصنف وفقا لمعلومات سطحية للغاية و من الطبيعي أن تتوزع علي فئات واسعة من البشر...
شخصياً لا أصدق من يقول أنه لا يصنف ، ربما يراقب تصنيفاته جيداً لكنه من المستحيل ألا يصنف تماماً ، التصنيف أمر صحي في صورته المتوسطة ، تلجأ إليه عقولنا لأننا بحاجة لأرض صلبة نقف عليها عند التعامل مع العالم ، بالضبط مثلما يصنع المخ أحلاماً لحوادث وهمية تفسر الألم البدني الذي نشعر به بعد الإستيقاظ ، المخ يمقت علامات الاستفهام ، يسعي دائماً لتفسير كل شئ ، حتي و إن اقتضي ذلك وضع تفسيرات لا أساس لها من الصحة...
لذا لا تظنني هنا أدعوك للتوقف عن تصنيف الآخرين ، فقط أدعوك لتتذكر علي الدوام ، أن الفروق الحقيقية تكمن بالداخل ، في تلك الغرفة التي لا تشبه غيرها ، حيث لا تعود الأمور كما كانت أبداً...

الثلاثاء، ١٣ أغسطس ٢٠١٣

aristocracy is now !



العلم لم يكن يوما أمرا ارستقراطيا ، لكن الكثير من دارسيه و مدرسيه جعلوه كذلك...

حسنا المجتمع بأكمله جعله كذلك...

حاول أن تذكر واحدا من الأوغاد الذين كانوا يدرسون لك في الجامعة و لسوف تفهم ما أعنيه...

حاول أن تذكر نظرة حماتك إليك حين علمت أنك حامل لشهادة الدكتوراه في أمر ما...

حاول أن تذكر حين وضعت لنفسك نظرية بشأن عدوانية سائقي الميكروباصات ، في حين أنك لم تركب واحدا في حياتك...

حاول أن تذكر صديقك الذي كان مصرا علي إنهاء دراسته برغم أنه لا يحب هذا المجال ولا ينوي الاقتراب منه بعد التخرج ثانية ، صدقني لا أحد أجبره علي فعل ذلك سوي المجتمع...

حاول أن تذكر نفسك حين حاول أحدهم التحدث فيما يخص مجال تخصصك لتخرسه أنت في استعلاء بجملة " أنا دارس كذا و عارف أنا بقول ايه كويس "

المشكلة أن الصورة النمطية عن الأرستقراطية كانت أكثر رحمة و إنسانية و تحضراً مقارنة بما هي عليه الآن ، لقد تركت الأرستقراطية بصمتها في كل شئ و لم تعد مقتصرة علي طبقة ذهبية بعينها ، تركتها في العلم ، في الفن ، في السياسة ، في العمل و في الحياة بأسرها ، الكل يصر علي احتكار كل شئ لنفسه حتي التفكير ذاته ، و صار المجتمع مقسما لطبقات فكرية كل منها تري الأخري حمقاء مغيبة عن الواقع...

ثم تسمع أصواتاً تطالبك بالديمقراطية ، طبقوها بداخلكم أولاً...

الجمعة، ٢ أغسطس ٢٠١٣

تسامي...



أحيانا أتسائل ، كيف لم تُجري حتي الآن دراسة إحصائية واحدة بشأن دوافع المتطوعين للأعمال الخيرية ؟ أو ربما أُجريت ، لا أعلم حقا...
أعني..في الأديرة ، علي سبيل المثال ، يرفضون استقبال راغبي الرهبنة إذا اكتشفوا أن رغبته ورائها حياة فاشلة يسعي للهروب منها ، صدمة عاطفية ، أي شئ قد يدفعه للارتقاء بدوافعه من خلال خدمة الرب ، مثل تلك الدوافع لا يدوم تأثيرها طويلاً لو كنت تفهم ما أعنيه ، حين تسعي للرهبنة فعليك فعل ذلك عن اقتناع و ليس هرباً من ماضٍ مؤلم...
تخيل الآن أن لدينا فرض بحثي يتلخص في أن نسبة لا يُستهان بها من المتطوعين بالأعمال الخيرية هم في الواقع هاربين من ماضٍ مماثل ، في الواقع ، الجمعيات الخيرية لا تهتم ، فلتهرب كما تريد مادمت تنوي الهرب إلينا...
من زاوية سيكولوجية لا يسمي ذلك هروبا بقدر ما يتم اعتباره نوع من التطبيق اللاشعوري لميكانيزم التسامي و الإعلاء ، أحد الطرق  الدفاعية اللاشعورية و التي تهدف باختصار إلي حفظ توازن البناء النفسي و ضمان عدم انهياره تحت الضغوط ، هناك تصنيف خاص بالميكانزمات ذات الطابع الهروبي ، و هي-صدق أو لا تصدق-لا تعبر عن حالة مرضية إلا عندما تحيد بأدائها عن المعدل الطبيعي ، فمثلاً يعبر ميكانيزم التسامي و الإعلاء في صورته الطبيعية عن صحة نفسية عالية ، و لكن حين يصل الأمر لدرجة إنكار الذات مثلا فيما يخص العمل الخيري ، حينها يصبح الأمر جديراً بالعلاج ، لا أذكر حقاً إن كان التسامي مدرجاً ضمن تصنيف الحيل الهروبية لكني سأصاب بخيبة أمل إن لم يكن كذلك...
الأمر ذاته ينطبق علي هؤلاء الذين يستيقظون فجأة ليقرروا أن عليهم ممارسة الرياضة اليوم ، و حلق ذقونهم ، و التوقف عن التدخين ، و ممارسة اليوجا و تعلم العزف علي البيانو و تنظيف اسنانهم بانتظام فقط لأنهم يحاولون إنهاء آلامهم اليوم ، أو بصيغة أخري يحاولون-لاشعورياً-الارتقاء بدوافعهم السلبية إلي مستويات أكثر إيجابية ، بل و تعميم ذلك علي كل تفاصيل حياتهم بدءًا من أبسط الأشياء لأضخمها ، لكن ذلك لا يدوم علي كل حال...
ما المشكلة إذن مادام الأمر صحيًا في النهاية ؟
في الواقع لا توجد مشكلة ، بالنسبة للمجتمع ، لك أن تتخيل أن أغلب النتاجات الفكرية و الأدبية و الشعرية و الفنية ما هي إلا مظاهر لأفعال تم التسامي بها و إعلائها من دوافع و رغبات داخلية مكبوتة في النفس إلي أعمالٍ مقبولة و تجد الرضا من المجتمع ، لن تجد كالكُتّاب من هم أكثر قدرة علي توجيه طاقاتهم الاكتئابية نحو نشاطٍ منتج ، الحزن سلعة انفعالية مطلوبة رغم كل شئ ، و القراء لا يهتمون بمعاناتك الداخلية مادمت تمنحهم بعض العمق الجميل...
لذا يمكنك ملاحظة أن هذا المقال ليس هدفه البحث عن حل لظاهرة ما ، إنه فقط محاولة لفهم تلك الآلية التي تحكم جانب من جوانب السلوك البشري...
فقط ، لا أكثر ولا أقل...

الجمعة، ١٢ يوليو ٢٠١٣

وجود...



هناك تلك الفكرة النمطية اللعينة التي التصقت بأذهان البعض عن الإلحاد ، حيث لا أحد يطرح تساؤلات وجودية مالم يكن ملحداً ، لا أحد...
ماذا يسمون إذن ذلك الذي مازال يتلمس طريقه نحو الحقيقة ؟ الحقيقة الموضوعية لا التي تُري من خلال وجهات النظر ، ضائع ؟ تائه ربما ؟
لو أردت رأيي فالملحد هو من اختار مكانه في اللاشئ ، و أنا أفضل أن أكون تائهاً يتلمس طريقه نحو الضياء علي أن أكون ملحداً اختار السفر في دوامات التفكير و التفلسف دون وجهة محددة ، فقط لأنه منتشٍ بكونه حي ، بكونه حر...
أعني أنه ربما بدا الإلحاد رائعا لبعضهم ، لكن التيه أروع ، إنه أشبه بلحظات ما قبل المصارحة بالحب ، لحظات التلميح الوشيك ، حين يصبح ذهنك متأهبا علي الدوام لأبسط إشارة يرسلها لك الكون ، لتصبح بمرور الوقت قادرا علي قراءة لغة الزمان و المكان ، قادرا علي الذوبان في الوجود ذاته إلي أقصي حد ، متعطشاً علي الدوام لقبلة منه دون ارتواء...

الجمعة، ٥ يوليو ٢٠١٣

فتي البخور...



  • مروان ، ذو العيون اللامعة الصغيرة الضيقة...
    مروان كان يشتري بمصروفه عود بخور من العطار قبل كل صلاة جمعة ، و بعد الصلاة يشعله و يجري به في الشارع منتشيا و كأنه يحمل شعلة أوليمبية ، هذا يفسر لك سبب اشتهاره في الشارع بـ "فتي البخور"...
    مروان كان طفلا رائعا ، كان أجمل من أن يعيش في هذا العالم ، كان من فئة الأطفال التي يطلقون عليها مصطلح "ابن موت" ، فقط لأنه أجمل من اللازم ، أو علي الأقل هكذا كانت نساء الشارع تتهامس فيما بينهن بشأنه...
    لكن الهمس في الغالب من شأنه اجتذاب الانتباه اكثر من الاصوات الصريحة الواضحة ، و بطبيعة الحال لم يستغرق الأمر وقتا حتي بدأت الهواجس تطارد ام مروان ، فتي البخور ، خاصة بعد أول شجار له مع احد أبناء الجيران...
    صارت تمنعه من الخروج اغلب الاوقات ، صارت تجلب له كميات من البخور كي لا يضطر للخروج كثيرا ، صار الصغير يكتفي بالجري داخل المنزل أو الوقوف بها داخل الشرفة مراقبا اصدقاءه أثناء لعبهم بدونه...
    ظن مروان الأمر مؤقتا في البداية ، لكنه سرعان ما بدأ الإحساس بأبدية سجنه ، و بدأ محاولات التأقلم بعد أن فشلت جميع محاولاته الأخري في إقناع أمه...
    مروان كان أجمل من أن يعيش في هذا العالم ، لكنه عاش في النهاية مع الأسف ، عاش حياة حافلة بالتردد علي الأطباء النفسيين محاولا التخلص من خوفه الاجتماعي ، محاولاً التخلص من نفوره من رائحة البخور...

الاثنين، ١ يوليو ٢٠١٣

تداعٍ آخر...





لن تجد كالكتّاب من هم أكثر قدرة علي توجيه طاقاتهم الإكتئابية نحو نشاط منتج ، الحزن سلعة انفعالية مطلوبة رغم كل شئ ، و السعادة مثالية للغاية لكنها ليست علي نفس المستوي من العمق ، ناهيك عن كتب التنمية البشرية التي لا تروج إلا لسعادة خيالية...



الاكتئابيون يكتبون ، و الهوسيون علي الأغلب يقومون بتمثيل ما يكتبه الاكتئابيون ، إنها علاقة تكاملية لو كنت تفهم ما أعنيه ، إبحث عن الهوسي في أي فرقة مسرحية ولن يخيب ظنك أبدا...



الإنفعال مرهون بمقابله ، الاكتئاب مقابل الهوس ، الحزن مقابل السعادة ، و كلما ازداد انغماسك بالألم كلما ازداد تقديرك للراحة و العكس ، لذا-لو أردت رأيي-فالوجدان لا يتجزأ ، لن تجد حزنا مطلقا ولا سعادة مطلقة ، الجميع متفاعل في كل واحد ، و السعادة الخالصة بالتفاصيل الصغيرة لا تتجلي بوضوح إلا لمن كان الحزن ساكن قلبه ، و أيا كان تعريفك للسعادة فدعني أخبرك أنها ليست بروعة الإحساس بروعة التفاصيل الدقيقة ، لأن التفاصيل تتجمع ، تتراكب ، و يكمل بعضها بعضا ، الماء ، الهواء ، العشب ، الندي ، زرقة البحر و السماء ، و حمرة القمر و اقترابه ، ألوان البلالين ، عشوائية السحب ، حتي تلك الأمور المزعجة تجد قلبك يتلمس بداخلها بحثا عن شئ جميل ، و يجده ، أو علي الأصح ، يراه كما يجب أن يٌري...



لكن المشكلة انك لا تدرك كم الأمور الجزئية في هذا العالم و التي تجبرك إجبارا علي شغل بالك بها مقابل التأمل في الكل الكبير ، هل تذكر آخر مرة نظرت فيها نحو السماء بشغف حقيقي ؟ هل جربت الارتقاء بإحساسك ولو للحظات إلي ذلك الحد الذي يجعلك تشعر بروعة أخف نسمة هواء تمر بوجهك ؟ او اقل نقطة ماء تسري علي جسدك...



إن لروحك عليك حق فلا تقتلها...


الجمعة، ٢٨ يونيو ٢٠١٣

التكرارات لا تحدث عبثا...



هناك شبه إدراك ضمني بين الجميع علي أنه لا أحد من الممكن أن يشعر تماما بمأساة غيره ، لكنهم مستمرون بالشكوي رغم ذلك ، ربما لأنهم لا يملكون حلا آخر...

أمس رأيتني في المنام أبكي بحرقة ، كالأطفال أو أشد ، من المؤسف أنه لا تفسير أعمق من كوني أريد البكاء لا أكثر ، لقد قمعت تلك الرغبة بداخلي لسنوات حتي تراجعت نحو اللاشعور ، شأنها شأن كل تلك الرغبات المكبوتة التي أحلم بتحقيقها...

و مشكلة الذين لا يمنحون أنفسهم فرصة للحياة كما ينبغي أن أحلامهم واقعية للغاية و غير معقدة ، ربما لأنهم لم يتجاوزوا بعد عجزهم عن تحقيق أبسط الرغبات إلي ما هو أكثر تعقيدا ، أو ربما لأنهم يجدون الواقع معقدا بما فيه الكفاية...

الحدود ،أن تضع لنفسك حدودا لأنك تعرف جيدا ما ستؤول إليه الأمور مالم تفعل ، لأنك تعرف من حماقاتك السابقة ما سيحدث ، في كل مرة تحدثك نفسك بأن هذا العالم نمطي للغاية و غير مبتكر ، كل علاقة تشبه سابقتها إلي حد سخيف ، كل ألم يذكرك بآخر ، حتي لحظات السعادة صارت مرتبطة بما سيحدث بعدها من شقاء يدفعك دفعا للشعور بمدي سذاجتك ، يدفعك لاستسخاف فكرة السعادة من الأساس و ووصمها بالطفولية و الغباء ، بينما الحقيقة أن الأمر لا يتعلق بالعالم بقدر ما يتعلق بطريقة تعاملك معه ، كل تلك التكرارات لا تحدث عبثا ، إنها تحدث فقط لأنك مازلت أنت...

الجمعة، ٢٤ مايو ٢٠١٣

تداعي...



مرة أخري لا تجدي الحلول العميقة نفعا ، ليس علي هذه الأرض...


***

هناك تلك الفئة الجحيمية من المشاكل التي يصعب الهروب منها ، ببساطة لأنك جزء من المشكلة ذاتها ، كونك ما أنت عليه ، تلك الفئة تجعلك علي الدوام في حالة لجوء لحلول غير منطقية تزيد الأمر سوءا...

***


بيك قال شيئا عن الأخطاء المعرفية ، عن كون نظرتنا السلبية نحو العالم هي السبب في مأساة كل منا ، أنا أؤيد ذلك ، أؤمن به لأنني صادفت مرارا هؤلاء الذين يجيدون التعامل مع مشاكلهم بابتسامة ، هذا يعني أن هناك طرق أخري للتعامل مع الواقع لكن الأمر يتعلق بنا فحسب ، يتعلق بتلك الزاوية التي نري الأمور من خلالها ، لكني كذلك أؤمن بأن الأمر لم يكن يوما متعلقا بالتخلص من المأساة ذاتها ، هناك بعض المآسي التي تحمل رسائل من أجلك ، خبرات شعورية عليك استدماجها بداخلك كي تدرك حقيقة أن تلك المأساة لم تكن سوي الواقع ذاته ، لكنك فقط لم تكن تعرف كيفية التعامل معه...

***

ذلك الهراء الذي لطالما سمعته عن التعلم من أخطائنا السابقة دون جدوي ، لم أفهمه قط إلا بعدما أدركت ما تعنيه فكرة الخبرات الشعورية ، ذلك لأن الحمقي ممن لقنونا تلك الكلمات لم يدركوا يوما أنه من المستحيل أن تظل طيلة حياتك و عينك في وسط رأسك كما يقال ، من المستحيل أن نتعلم من أخطائنا السابقة بإرادتنا من الأساس ، إن الأوجاع إزميل ينحت أرواحنا حتي تكتسب ملامح واضحة ، شر لابد منه...


***


فرويد لم يكن سطحيا حين حدد دوافع السلوك البشري في تحقيق اللذة و تجنب الألم ، هو فقط جرد الذات من كل تعقيداتها و أورد دوافعها في أبسط صيغة ممكنة ، الصورة الخام قبل تحويلها لرغبة في إثارة الإعجاب و رغبة في تحقيق الذات و رغبة في النجاح ، و رغبة في النسيان...

***


التلذذ بالألم-و استثني هنا الألم الجسدي-في حد ذاته صورة أخري من صور الرغبة في تحقيق اللذة و تجنب الألم ، و حاول أن تنحي المازوخية بعيدا عن حديثنا لأننا لا نتحدث عن رغبات مرضية هاهنا ، بصدق ، لا نفعل ، حتي و إن بدا لك هذا أسلوبا غير سويا للحياة فأخبرني عن معايير مطلقة للسواء في عالم كهذا ، أخبرني عن معايير مطلقة للواقع من الأساس ، هل أنت متأكد من كونك تعيش واقعا واقعيا ؟
دعك من أن المازوخية ذات أسباب أكثر سطحية مما نتحدث عنه هنا ، استدماج الخبرات الشعورية ، نحن منذ الطفولة نستدمج مشاعر الحب التي نتلقاها من أمهاتنا حتي تصبح تلك المشاعر جزء منها يحدد ما سوف تكون عليه طريقة تعاملنا مع الآخرين ، و بالمثل فنحن نستمر طيلة حياتنا نستدمج الخبرات الشعورية من كل المواقف التي نمر بها ، سعيدة كانت أو مؤلمة ، لو أردت رأيي لأخبرتك أنها الخبرات الأكثر استحقاقا بالاهتمام ربما اكثر من الخبرات المهنية و العملية ، تلك الخبرات تقول من أنت تحديدا...


***


برغم ذلك لا تدع الكلمة تخدعك حينما يخبرك أحدهم أنه أكثر منك خبرة و عليك الاستماع إليه جيدا ، خاصة لو كان علي مشارف الثلاثين أو في الثلاثين بالفعل ، أغلب تلك الحالات لا تعني الخبرة فيها شيئا سوي أنه الأكثر معرفة منك بمدي قذارة هذا العالم ، لذا لا تنتظر منه حكمة أعمق من التحدث عن كيفية التعامل مع هذا المجتمع و بعض النصائح عن كيفية التعامل مع النساء ، لا تدعه-أبدا-يخفض صوته أثناء الحديث معك لأن ذلك يعني سماحك له بفرض نصائحه عليك في أي وقت و مكان ، إنه الجحيم بعينه...

***

لكن الحلول الفلسفية العميقة لا تجدي نفعا ، ليس علي هذه الأرض...


Share |